ملف خــاص / العنف و التطرف فى الحياة السياسية
ديسمبر
24
2006
آسف يا مولانا.. هذه مليشيات للعنف! بقلم : نـبـيـل عمــــــــــر
إرسال عبر البريد الإلكترونى نسخة مبسطة للطباعة 06:05 م

لم أستوعب ما قاله السيد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان تفسيرا وتبريرا لما صنعه شباب الإخوان من طلبة جامعة الأزهر في ساحة الجامعة، من الاصطفاف في طوابير شبه عسكرية، لاستعراض قواتهم البدينة ومهاراتهم في القتال بالأيدي، فكيف يمكن قبول أن مبارزاتهم في الكاراتيه والكونج فو هي مجرد "اسكتش فني" نفذوه عن المقاومة الفلسطينية، من باب قتل الوقت والغناء وهم معتصمون منذ ثلاثة أيام احتجاجا علي فصل زملاء لهم شهرا؟!

وقال المرشد: "هذا موضوع تافه لا يستحق هذه الضجة، ومع ذلك أنكرت عليهم هذا، فليس وقته ولا مجاله"!

بالله عليك..كيف يكون طابور استعراض القوة داخل حرم جامعي موضوعا تافها؟!

ولماذا طلاب الإخوان تحديدا هم الذين يستعرضون القوة علنا في اسكتش فني؟!

يبدو أن المسألة أكبر من حكاية "الفني" هذه، وتعيدنا إلي تاريخ قديم أو بمعني أصح تربط الماضي بالحاضر، وتشبه جيش التحرير وكتائب الخلاص وجنود الرحمن الذي تحدث عنها مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا وتجدد مقولته الشهيرة:"إن القوة صفة ملازمة للمسلم يجب أن يتسلح بها"!

وهي قولة حق..لكن يبقي السؤال الأهم: قوة ضد من؟!

وهنا لم يعجبني قول المرشد الحالي أنه ينكر ما صنعه طلاب الإخوان في الجامعة، ولم استطع أن أهضمه بسهولة وأعتبر ما نفذوه هو مجرد "حمية شباب" وحماس غاضب من اجل زملائهم السبعة الذين فصلوا عقب تأسيس اتحاد الطلبة الحر، لسبب بسيط للغاية وهو أن الانضباط والطاعة والالتزام بالأوامر التزاما صارما هي أهم عنصر الضبط والربط في الجماعة، والتي جعلت عمرها يمتد إلي ما يقرب من 80 عاما..ويصعب أن أصدق أن الاستعراض حدث دون موافقة من "القيادة"، وأن الترتيب كان متفقا عليه!

وهذا يذكرنا بواقعة اغتيال القاضي الخازندار في عام 1948، إذ خرجت كل الروايات من مكتب المرشد العام بأن "عملية الاغتيال" كانت اجتهادا فرديا من أعضاء النظام الخاص، وأن الشيخ حسن البنا ظن عند سماعه خبرها أن بعض أعضاء قسم الطلاب من الإخوان هم الذين نفذوها بمبادرة منهم، وأنه استدعي الأستاذ محمد فريد عبد الخالق المسئول التنظيمي عن الطلاب وسأله: هل للقسم أي دخل في هذا الحادث؟!

فرد عليه: لا.. لم يحدث!
ولا أقصد من هذه الرواية أن اثبت أن التاريخ يعيد نفسه، وإنما فقط أورد التشابه بين الأساليب في الأفعال والتبريرات..لأن الطلاب في جريمة اغتيال الخازندار كانوا بالفعل أبرياء، وفعلها أعضاء النظام الخاص!
وبالمناسبة شباب في حرم جامعة الأزهر هو رسالة بالصوت والصورة..وبالمناسبة شباب الإخوان هم الذين صوروا الاستعراض بكاميرات فيديو ومرروا الشريط إلي الفضائيات التي أذاعته..فهل كان التصوير والنشر والإذاعة مجرد حماس أيضا أم بلاغ لنا؟!

بلاغ له عناصر متكاملة.. الأزياء السوداء التي لبسوها، والأقنعة التي وضعوها علي وجوههم مكتوب أعلاها: صامدون علي طريقة "حماس" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومهارات القتال التي تباروا في إظهارها، التصوير الذي سمحوا به..والنشر الذي حرصوا عليه علي نطاق واسع، ثم الإنكار الذي أذاعوه، فجعلوا من الحدث "عملا" علنيا يمكن أن يعتاد عليه المجتمع مستقبلا!

وكان يمكن أن أصغي إلي تبريرات المرشد العام ونائبه الدكتور محمد حبيب الذي قال: إن الإخوان لا يمتلكون ميليشيات مسلحة ولا يقومون بتدريب أعضائهم علي الرياضات العنيفة، لكن حين نعود إلي تصريحات سابقة للمرشد نفسه قد نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. فماذا قال خلال العدوان الإسرائيلي علي لبنان؟!

1- الإخوان جاهزون بعشرة آلاف مجاهد للانضمام إلي المقاومة في لبنان إذا وافقت الحكومة علي ذلك..

2- موقف بعض القادة العرب من الحرب اللبنانية "مخز"، ولولا توحيدهم بالله لقتلناهم، لأن خطرهم أشد وطأة من خطر اليهود أنفسهم..

وحين صرح المرشد بهذه العبارات- التي تشبه قنابل موقوتة شديدة الانفجارـ تصورتها نابعة من وجع وغضب وحماسة شيخ كبير لما يرتكبه الإسرائيليون من جرائم ضد الإنسانية في لبنان، فكيف أصدق أن الإخوان لديهم عشرة آلاف مقاتل يمكن أن يحاربوا الآلة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني؟!..فأعضاء الجماعة كما أظن هم مدنيون مثلنا غير مؤهلين عسكريا.. فأين يتدربون علي استخدام السلاح؟!.. ومن يدربهم؟!..وهل معرفة إطلاق المسدس أو حتي البندقية الآلية- لو فرضناها جدلا - تؤهل صاحبها لخوض حرب ضد جيش منظم يمتلك دبابات وصواريخ وطائرات؟!.. وأصلا.. من الذي يمدهم بالسلاح وما هي الطريق التي يصل به إليهم في دولة مدنية غير طائفية مثل مصر؟!

الإجابات الخطيرة التي من المفترض أن تملأ الفراغات في تلك التساؤلات البديهية جعلتني استبعد "التفسير الحرفي" لنص كلمات المرشد، وأرجح التفسير المعنوي المجازي.. متجاهلا تصريحات شبيهة أطلقها الشيخ حسن البنا نفسه عن مائة ألف مجاهد ينتظرون إشارة الجهاد (مجلة النذير في 28 /2/ 1939).

وحتي حين هدد المرشد بعض الحكام العرب بالقتل اعتبرت كلماته "زلة لسان" من رجل له زلات لسان كثيرة من هذا النوع الثقيل منذ توليه المنصب الأعلي في الجماعة، وليس من اللياقة التربص بكل كلمة يتفوه بها، خاصة أن مصر تمر بمرحلة صعبة من تاريخها، وتحاول أن تمسك بأي شعاع شمس يقودها إلي التغيير والإصلاح الشامل، لتخرج من الشرنقة الحالية المختنقة بها إلي دولة عصرية تستند إلي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة، وفضيلة الاختلاف دون تربص قد تكون واحدة من الوسائل الضرورية لترسيخ هذه المعاني، حتي لو كانت بعض العبارات المتطايرة من أو هناك هي تحريض علي العنف أو تبدو كذلك، لظروف الصخب والتوتر والاضطراب التي تحيط بالمجتمع!

لكن.. ما صنعه طلاب الإخوان في حرم جامعة الأزهر.. يقلب المائدة في وجوهنا، ويضرب رؤوسنا بقوة زلازل عشرة ريختر.. ويشحذ فيها أسئلة من الحمم الملتهبة: هل كان المرشد العام لجماعة الإخوان يقصد فعلا كل حرف مما قاله وأن المسألة ليست زلة لسان ولا يحزنون، وإنما كانت رسالة مشفرة لم تستطع عقولنا المغيبة أن تفك رموزها؟!

فإذا كان ما نفذه هؤلاء الطلاب هو مجرد تعبير غير مقصود عن "القوة" أو لحظة انفعال غاضبة.. فهل يمكن أن نصنف ما قاله المرشد من قبل تحت نفس التبريرات المعلبة ؟!

نحن أمام موقف في منتهي الخطورة..قد يرتقي إلي درجة المعضلة.. معضلة لا تتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، فهي حرة فيما تؤمن به، ولا يجوز أن نحجر عليها، ولكنها معضلة تتعلق بنا جميعا، فالسؤال الآن هو: هذه الميليشيات التي تستعرض قوتها في حرم جامعي له تقاليده ما هدفها ومهاراتها القتالية في الكاراتيه والكونج فو ضد من؟!

نعم.. نحن أمام تنظيم يؤمن بالقوة وامتلاكها وتدريب أعضائه عليها.. وهنا نعود إلي قول للإمام: "إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة ويتحملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضا وارتياح"! فهل استكمل الإخوان الآن كل عدة الإيمان والوحدة؟!

وهل كانت تصريحات المرشد التي عددنا مجرد زلات لسان في لحظات انفعال هي الإنذار الذي قال عنه الإمام المؤسس؟!

بالطبع لا يمكن استساغة أن شباب الجامعة في جامعة الأزهر كانوا يقدمون "اسكتشا فنيا " عن المقاومة الفلسطينية، فمن أين الأزياء الخاصة؟!..من وفرها لهم؟!..وما علاقة الاعتصام احتجاجا علي فصل سبعة طلاب منهم والمقاومة الفلسطينية؟!

والأهم أن المرشد العام نفسه قال عبارة لها معني واضح ومحدد: ليس هذا وقته أو مجاله، أي أن استعراض القوة وإظهار مهارات القتال بالكاراتيه والكونج فو له وقته وله مجاله؟!

ونحن نسأله من كلماته: متي يكون وقته؟!..وما هو مجاله بالضبط؟!

بالطبع الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة هي بمثابة الوقوف أمام المرآة، لتعكس الصورة الحقيقة دون رتوش أو تزويق أو تلاعب الكلمات أو إنكار، وهنا نحن لا نتصيد حادثا فرديا من شباب لا يدرك معني تصرفاته داخل حرم الجامعة، وأظن لو أن الحزب الوطني سواء كنا نعارضه أو نرفضه أو نسبه أو نقف معه أو ننضم إلي رعاياه لو فعل ما فعله طلاب الإخوان في الجامعة لقامت الدنيا ولم تقعد ولأفردت صحافة الإخوان المستقلة صفحات وأفاض محدثهم في البرلمان الدكتور حمدي حسن واستجوب الحكومة عن ميليشيات الحزب التي تستعرض قوتها داخل الجامعة ملقية بكل الأعراف والتقاليد خلف ظهرها ومحتمية بالسلطة التي تؤازرها، وتمارس البلطجة علنا تحت أعين الحرس الجامعي وبمباركة رئيس الجامعة الذي يعمل وفق تعليمات الأمن!

لكن حين يرتكب شباب الإخوان هذه التصرفات الدالة علي ما تدبره الجماعة لنا، فهذه مجرد أخطاء غير مقصودة ومن ينقدها أو يفسرها هو شخص متربص يلعب مع السلطة ضد الحرية، ويناهض الجماعة لله في لله!

صحيح أن مصر في حالة فوران وغضب، وصحيح أن النظام الحاكم قد يكون غير جاد في الإصلاحات السياسية التي نحلم بها، وصحيح أن النخبة المسيطرة تقاتل بشراسة من أجل إبقاء الأوضاع المائلة علي ما هي عليه حتي تحافظ علي مصالحها ونفوذها ومصادر تكوين ثرواتها..لكننا ونحن نسعي إلي التغيير ليس أمامنا إلا الوسائل السلمية مهما طال بنا الطريق وتعقدت متاعبه، لأن الخروج علي القانون أو الميل إلي العنف أو استعراضات القوة لن يدفع ثمنها إلا المواطنون البسطاء الذين سيضعون في "الرجلين"!

وعموما.. تدل هذه الاستعراضات الإخوانية أن الاستبداد الديني أكثر شراسة وعنفا ووقاحة من الاستبداد السياسي، وكلاهما كارثة يجب أن نضع نهاية لهما إذا كنا نأمل في صناعة مستقبل أقل ألما ومعاناة لأحفادنا!

كلمة أخيرة.. نعم نريد أن يمارس طلبة الجامعة سياسة..أن يكون لهم رأي ورؤية فيما يحدث في مجتمعهم، لكن أن يتحزبوا ويمارسوا هذا النشاط حزبيا، فهذا مرفوض ، ولا مثيل له في أية جامعة في العالم، ومن يقول غير ذلك.. هو نصاب يحاول أن يضحك علينا، ويسخر منا، فالجامعة في الأساس محراب علم..لا ميدان قتال للتحزب السياسي أو الديني!

شكرا لشباب الإخوان في جامعة الأزهر، فقد أزالوا ورقة التوت وكشفوا لنا عن قوتهم البدنية ومهارتهم القتالية، أما بيان الاعتذار فقد جاء متأخرا وبعد فتح الستار وبدء العرض.. لكن هذا لا يمنع أن نعارض بشدة أي اعتقالات، ونعتبرها جزءا من الأزمة الطاحنة التي نعيشها.. ولنا الله والصبر والسلوان.. ونحن بين سندان الحزب الوطني ومطرقة الإخوان المسلمين!

[ نقلاً عن جريدة الفجر ]

قيم الموضوع   متوسط التقيم 3.4 من إجمالى 7 زائر أعلى الصفحة إرسال عبر البريد الإلكترونى نسخة مبسطة للطباعة
موضوعات ذات صلة
د. شهاب: أزمة ميليشيات الأزهر حركت الدولة لوقف خطر الإخوان الإسكندرية ـ علي بدر
إحياء التنظيم المسلح للإخوان ! بقلم : كرم جبر
حين يكشف المرشد خبايا جماعته .. بقلم : نبيل عمر
شهادة حق ضد الإخوان بقلم: حازم عبدالرحمن
عودة
لأفضل مشاهدةاضبط الشاشة على1024x768 px | Adobe Reader | Media Player
جميع الحقوق محفوظة © 2010 الحزب الوطنى الديمقراطـى